المحادثة التي غيّرت كل شيء
منذ سنوات قليلة، في منتدى للمبرمجين، سأل أحدهم عما إذا كانت شركات المراسلة الكبرى تحترم فعلاً الخصوصية التي تعد بها. بدأت المحادثة بمزاح. حتى ظهر شخص قال إنه عمل في شركة مراسلة كبيرة لا ينبغي لي ذكر اسمها.
بعد عدة تبادلات، سأله أحدهم السؤال المباشر. كانت إجابته مفاجئة: نعم، بقدر ما يعلم، كان الالتزام بعدم قراءة محتوى الرسائل يُحترم بدقة.
لكنه أضاف شيئاً لم يتوقعه أحد: "نحن لا نقرأ محتوى الرسائل لأننا لا نحتاج لذلك."
لماذا لا يحتاجون لذلك
شرح أن محاولة قراءة وفهم محتوى ملايين المحادثات أمر معقد للغاية. الناس يتحدثون بعشرات اللغات، بلهجات، مصطلحات عائلية، اختصارات مبتكرة. معالجة كل هذا تتطلب كميات هائلة من الذاكرة والمعالجات والكهرباء. باختصار: المال. الكثير من المال.
والأهم: لا يستحق الأمر. لأن محتوى الرسالة، كما قال، ليس سوى دخان. ضباب يربك. الحقيقة المطلقة في البيانات الوصفية.
المثال الذي يشرح كل شيء
أعطى مثالاً. تخيل رجلاً لديه شريكة. نعرف أن لديه شريكة لأنه ينشر ذلك على وسائل التواصل. نعرف أنهما يعيشان معاً لأن مواقع هواتفهما الجغرافية تتطابق. كل هذه المعلومات تسجلها هواتفهم باستمرار.
الآن تخيل أن هاتف هذا الرجل يبدأ بتبادل الرسائل مع هاتف جديد. هاتف يتبين أنه لامرأة ليست شريكته. بدورها، هذه المرأة لديها شريكها الخاص الذي تعيش معه أيضاً.
الرسائل بينهما تتبع نمطاً. تحدث في أوقات محددة. الردود فورية تقريباً. يتزامن ذلك دائماً مع لحظات لا يكون فيها أي منهما قرب شريكه الحقيقي. وفي كثير من الأحيان، كل منهما بمفرده — نعرف ذلك لأنه لا توجد هواتف أخرى من دائرتهما القريبة في الجوار.
ومن حين لآخر، بانتظام يمكن التعرف عليه، يظهر كلا الهاتفين في نفس الموقع الجغرافي. مكان منعزل. مستودع. شقة صيفية. فندق صغير في الضواحي.
واضح وضوح الشمس.
هل تمت قراءة رسالة واحدة؟
لا. ولا كلمة واحدة. لم يكن هناك حاجة لفك تشفير أي شيء. فقط البيانات الوصفية: من يتحدث مع من، متى، كم مرة، أين هواتفهم. بيانات غير مشفرة. بيانات يمتلكها الخادم بالتعريف.
لماذا تُستخدم هذه المعلومات؟ لعرض الإعلانات. إعلان فندق قريب يؤجر غرفاً بالساعة. باقة سبا لشخصين. ليس لأن أحداً قرأ رسائلك. لأن البيانات الوصفية روت قصتك أفضل من كلماتك.
ما يعنيه هذا
عندما يقول لك تطبيق "رسائلك مشفرة من طرف إلى طرف"، قد يقول الحقيقة. لكن إذا كان الخادم يعرف مع من تتحدث، في أي وقت وأين أنت، فإن تشفير المحتوى يكاد يكون غير ذي صلة.
الطريقة الوحيدة لحماية البيانات الوصفية هي ألا يمتلكها الخادم. والطريقة الوحيدة لذلك هي ألا تمر الرسائل من خلاله. أن تذهب مباشرة من جهاز إلى آخر.
لأن الخصوصية الحقيقية ليست ألا يقرأ أحد ما تقوله. بل ألا يعرف أحد أنك قلته.